عبد الملك الجويني
114
نهاية المطلب في دراية المذهب
ووراء ذلك كلام للأصحاب ، وذلك أنهم قالوا : لو أرادت أن تطلب من المهر شيئاً وإن قل ، لم تملكه ولم تجد إليه سبيلاً ، وإنما لها طلب الفرض فحسب ، وهذا الآن مشكل جداً ، مناقضٌ لقولنا : إنها تستحق بالعقد المهرَ ، وكان الوجه أن يقال : تملك طلب المهر ، وتملك طلب الفرض . أما طلب المهر فمعلل بثبوت المهر ، وأما طلب الفرض ، فسببه تقرير نصف المهر ، وهذا له التفات على مطالبتها بوطأة واحدة ليتقرر بذلك مهرها ، ولكن ذلك مختلَفٌ فيه ، وطلب الفرض على رأي الأصحاب متفق عليه ، والسبب فيه أن الزوج قادر على الفرض متى شاء ، والوطء أمر جِبِلِّيٌّ قد لا تساعد الطبيعةُ على المواتاة فيه ، ولا عجز بالزوج أيضاً ، ولكن وقته لا يتعين ، فبعُد تمليك المرأة الطلبَ فيه في أي وقت [ تشاء ] ( 1 ) ، وما ذكره الأصحاب تصريح بإفساد القول بأنها تستحق بالعقد شيئاً ، وأن هذا القول لا ثبات له ، ولذلك لم يعرفه العراقيون ، ولم يعرِّضوا بذكره أصلاً . 8471 - فإذا [ تمهّد ] ( 2 ) أصل الفرض فيما رسمناه ، فنخوض بعد ذلك في تفصيل القول ، ونقول : الفرض يقع من الزوج ، فإذا وقع التراضي بمبلغ ، فَفَرضه الزوجُ ، ثبت ، ويجوز أن يكون عينا معيّنة - نقداً أو عَرْضاً ، ويجوز أن يكون ديناً ملتزماً في الذمة . والمذهب الأصح : أن الفرض إذا كان يجري من الزوج ، فلا يشترط علمُه وعلمُ الزوجة بمقدار مهر المثل ، وإنما التعويل على رضا المرأة وفَرْضِ الزوج . ومن أصحابنا من قال : لا يصح [ الفرض ] ( 3 ) من الزوج ما لم يكونا عالمين بمقدار مهر المثل ، وهذا الوجه ضعيف ، لا معوّل عليه ، ولكنه مشهور في الحكاية . وقد قال بعض المحققين : إن حكمنا بأن المفوضة لا تستحق بالعقد مهراً ، فلا حاجة إلى معرفة هذا المِثْل ؛ فإن الفرض ابتداءُ إيجابٍ على هذا القول ، وإن حكمنا
--> ( 1 ) في الأصل : شاء . ( 2 ) في الأصل : مهد . ( 3 ) في الأصل : العقد . وصدقتنا ( صفوة المذهب ) .